كيف تبقى إيجابياً وتحارب فوضى أفكارك

الرئيسية/المدونة/كيف تبقى إيجابياً وتحارب فوضى أفكارك

كيف تبقى إيجابياً وتحارب فوضى أفكارك

قد تكون كلمةفوضىأو “Chaos” هي أفضل كلمة لوصف حالة الكثير منا، فالفوضى في حالة صراع دائم مع النظام “Order”. هل استيقظت في يوم ما وأنت تشعر بسيطرة تامة على محيطك؟ تعرف ما عليك فعله، لديك ارتياح بأن كل شيء معروف وغير مخفي؟ هذا يا عزيزي هو النظام. هو مفهوم نعيشه في كل نواحي حياتنا، هو الأب الذي ننظر له كأطفال، ليس كواضع للقوانين فقط بل أيضاً كمصدر للأمان والثقة، هو الآلهة المثولوجية التي نسجتها عقول البشر، من زوس عند الإغريق لحورس عند الفراعنة، فبعضها مثلاً كان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالظواهر الطبيعية، وأكثر ما يميز الطبيعة هو النظام. وهناك أيضاً الفوضى، السارق الذي نخاف من قدومه ليلاً (خصوصاً مع عدم وجود الأب في البيت)، الأفعى في جنة عدن، آلهة المثولوجيا المرتبطة بالمكر والحرب والدمار. لقد استوعبت الحضارات القديمة هذه الحقيقة، أي الصراع الدائم بين الفوضى والنظام، فأدخلتها في معتقداتها وأفكارها المختلفة، فنجد اشارة الين واليانغ مثلاً في البوذية حيث هناك صراع دائم أبدي بينهما. فالهدف من الأديان والمعتقدات المختلفة هو (بالعادة) الوصول لحالة يكثر فيها النظام وتقل فيها الفوضى. والفوضى والنظام ليسا في الخارج فقط، كما أسلفت سابقاً، بل أيضا في داخلنا؛ في أفكارنا، في طريقة تفكيرنا، في فهمنا لأنفسنا، في انضباط مشاعرنا.

نحن في صراع دائم بين الفوضى والنظام، وأبسط صورة للفوضى هي في حالة القلق التي تصيبنا في بعض الأحيان، فهي تمثل حالة فوضى ورغبة منا للوصول إلى حالة من النظام. بالطبع فإن دارسي علم النفس يرون بأن جرعات قليلة من القلق هو ليس فقط أمر طبيعي، لكنه جيد أيضاً. فهي تضع الفكر والجسد في حالة تحدٍ، إن كان ذلك في إلقاء خطاب أمام جمهور، لعبة كرة قدم مهمة، أو مقابلة عمل. بالحقيقة فإن كون الإنسان في حالة عامة من القلق الخفيف قد يكون أمراً جيداً، فقد قام وليام لي (William Lee) في معهد الطب النفسي (Institute of Psychiatry) في عام 2006 بعمل دراسة تتبع فيها مصير آلاف من الناس ولدوا في عام 1946 ووجد بأن ذوي نسبة القلق الأعلى كانوا أقل عرضة للموت بسبب حالات الحوادث المختلفة قبل عمر الخامسة والعشرين. لكن المشكلة تكون عندما يكون القلق مزمناً ولفترة زمنية طويلة، ففيها، تغلب حالة الفوضى على حالة النظام.

تظهر الفوضى أنيابها بأقوى صورها في حالات المرض، فتجد بعض المرضى في حالة يرثى لها، ليس بسبب مرضهم فقط، بل بسبب تخبطهم في الفوضى (بالحقيقة، يمكننا اعتبار المرض نفسة كجزء من حالة الفوضى). وهنا تجلب أفعى الفوضى معها حالة من السلبية، من الشكوك، من الإشمئزاز، من الرغبات المتناقضة، كالرغبة بالموت بالرغم من ذهابهم للمستشفى. إذا سألت المريض عن سبب حالته هذه، فلن يستطيع إجابتك، فلم تضعه الفوضى في حالة نفورٍ من الآخرين وحسب، بل أيضاً فهي تفعل ما سميت به: تضعك في حالة من الفوضى! فالمريض لا يعرف حقاً ما يجول بخاطره لكثرة ما يجول بخاطره. ليس هذا فقط، بل إن الكثير من أفكاره تكون ممزوجة بالخوف، خوف يصعب تمييزه أو الاعتراف به. ليس هذا فحسب، بل إن ازدادت حالة السلبية والأفكار السوداوية فقد تؤدي به إلى حالة من الإكتئاب المرضي.

من المعروف الآن بأن السلبية والتشاؤم له آثار مرضية سلبية كبيرة، حتى على الشخص السليم. فقد أجريت دراسة في جامعتي دارتموث وجامعة متشغان، حيث تتبعت هذه الدراسة أشخاص بين أعمار الخامسة والعشرين والخامسة والستين لمعرفة تأثير درجات تفاؤلهم وتشاؤمهم على صحتهم العامة. ووجد الباحثون أن صحة المتشائمين قد تناقصت بصورة متسارعة مع زيادة أعمارهم. نتائج مشابهة وجدت في دراسة أجرتها ميو كلينك، حيث وجد أن لدى المتفائلون مستويات أقل من أمراض القلب وفترات حياة أطول من أقرانهم من المتشائمين. ومع أن العلماء لا يعرفون تماماً الطريقة التي يؤثر فيها التفاؤل (أو التشاؤم) على صحة المريض، إلا أن باحثين في جامعتي ييل وكولورادو وجدوا أن التشاؤم مرتبط بضعف المناعة تجاه الأورام والإلتهابات. أما الباحثون في جامعتي كنتاكي ولويسفيل فقد ذهبوا إلى حد حقن مجموعة من المتفائلين والمتشائمين بفايروس لحساب رد جهاز المناعة الخاص بهم، ووجدوا أن لدى المتفائلين قدرة أعلى بكثير من المتشائمين على التجاوب المناعي.

لكن من الغريب أيضاً أن اختبار هذه الحالة من الفوضى هو أمر متفاوت بين شخص وآخر. حتى في حالات المرض المتشابهة، فقد تجد شخصين يعانون من نفس المرض، أحدهما يملأه التفاؤل والآخر يملأه التشاؤم، أحدهما يبدو متمكنا من واقعه، والآخر ضائعاً في فوضاه. فيا ترى ما السبب؟

بالطبع فإن اصابة شخصان بنفس المرض لا يجعلهما متشابهين قط، فقد يكون هذا هو الأمر الوحيد المشترك بينهما. فشبكة حياة كل إنسان تختلف كثيراً عن غيره. فهناك ظروفه العائلية، علاقاته الإجتماعية، مكان عمله (إن عمل)، مكان سكنه، قدراته العقلية. من الطبيعي أن تعمل كل هذه الظروف لوضع الإنسان في مكان ما على سلم الفوضى والنظام، الإيجابية والسلبية. وبالطبع يمكننا تمييز صفات رئيسية بين المتفائلين والمتشائمين في تعاملهم مع أنفسهم ومع البيئة المحيطة بهم.

أولاً: التمييز بين الحقيقة والخيال

إن لدى المتفائلين القدرة على التمييز بين الحقيقة والخيال، وتركيز فكرهم على الحقيقة، وما أقصده بالحقيقة هو الحقائق المختلفة المبنية على وقائع، وليس افتراضات. وهذه مشكلة، وخصوصاً في مجتمعاتنا الشرقية ذات الخيال الواسع، حيث تحتاج، وبشكل مستمر، للخيال والافتراضات عند تعاملك مع الآخرين؛ فلا تستطيع حماتك أن تصدق بأنك لست جائعاً عندما تعزم عليك أن تأكل الطعام، فهي تفترض أنك لن تكون صادقاً في إجابتها، فتفترض إذن أنك جائع وتضع لك الطعام. قد يبدو هذا تصرف اجتماعي بسيط، لكنه يحكي عن مشكلة حقيقية، وهي عدم قدرتنا على التركيز على الوقائع، وارهاق أنفسنا في افتراضاتنا المسبقة. فأنت تعرف، إذا لم تأكل من طعام حماتك لمرتين متتاليتين ستظن هي أن طبخها ليس لذيذاً، وستفترض أنها أسوأ الطباخين، وبالطبع ستفترض أنها أسوأ زوجة وأم! فكيف لزوجة وأم جيدة أن تطبخ أكلاً سيئاً لزوجها وأولادها طوال هذه الفترة دون أن تلاحظ!

حسناً، أظن أنك تلاحظ سذاجة أفكارٍ كهذه، فلو كان طبخها فعلاً سيئاً فهذا لا يعني أنها زوجة أو أم سيئة، فالأم والزوجة دوران أكبر بكثير من دائرة الطبخ، وحتى لو لم تلاحظ أن أكلها سيء، فهذا لا يجعلها سيئة، وحتى لو كان أكلها سيء، فهذا لا يجعلها أسوأ الطباخين! والأسوأ من ذلك هو أن كل هذه الأفكار السوداوية بدأت من افتراض! نعم، من الممكن أن يكون سبب عدم تناولك للطعام هو أنك وجدته بلا طعم أو مذاق، لكن هناك أسباب أخرى أقوى دعتك لألا تأكل الطعام، وتركيزها على هذا السبب وافتراضها بأنه هو السبب الحقيقي ليس أسلوب تفكير صحي.

هذا يحدث أيضاً في حالة المرض، فتجد أن بعض المرضى يبنون توقعات سوداوية ويعيشونها. ونجد هذا في الأمراض المزمنة تحديداً، فالمصاب بالسرطان مثلاً قد يكون أكثر تشاؤماً واكتئاباً من غيره. لكن بالحقيقة هذا الاكتئاب والتشاؤم هما فعلاً ما يحرمانه من الحياة، فلو كانت حياة هذا الإنسان مهددة فعلاً، فهو يحرم نفسه من أن يعيش ما تبقى منها. ليس هذا فحسب، بل فإن النظر لمرض السرطان على أنه نهاية للحياة هو أمر غير حقيقي. فالسرطان أنواع مختلفة من الأمراض لها تصرف مشابه، بعضها أسوأ من الآخر، وهي تحوي على فرص كبيرة في العلاج. ما أريد قوله هو أن الكثير من المرضى ينظرون إلى التهويل الثقافي لمرض ما بدلاً من النظر إلى الحقائق، وحتى لو كانت نسبة العلاج من نوع معين من السرطان قليلة، فهي موجودة، وليس هناك داعٍ لافتراض الأسوأ.

من أفضل الطرق لمعرفة الأفكار السلبية التي تجول في خاطرنا هو كتابتها. عندما تكتب أفكارك فأنت تفصلها عنك لوهلة قصيرة لتتمكن من تقييمها وتصنيفها. لا تحاول كتابة كلمات وجمل منمقة، اكتب كل ما تفكر به. ثم عد لما كتبت واسأل نفسك، إن رأيت شخصاً آخر يفكر هكذا، ماذا ستقول له؟ عندما تجد جملا مثل: لا يمكنني، سأبقى هكذا للأبد، لن تتغير الأحوال، الأحوال في أسوأ ما يكونيمكنك التفكير،هل فعلاً لا يمكنني؟” “هل فعلا سأبقى هكذا للأبد بالرغم من أني لست من كنت عليه في الماضي؟” “تغيرت الأحوال كثيراً، ماذا سيمنعها من التغير مرة أخرى؟” “هل أنا أعيش في حالة أسوأ من غيري؟ لابد من أن هناك من يعيش في وضع أسوأ…” “لربما أنا أرفض أن أطلب مساعدة أحد ما؟

ثانيا: التركيز على ما هو حقيقي وجميل وصالح

وجد الفراعنة القدماء وشبهائهم في حضارة ما بين النهرين أن الصفات التي لدى الأشخاص الذين يخرجون من وحل الفوضى إلى حالة النظام هي قدرتهم على التركيز، وهنا لا أقصد التركيز الفكري العقلاني، لكن الإنتباه. وظهرت هذه الحقيقة في الآلهة التي تصوروها، فتجد أن أحد أسمى آلهة الفراعنة هوهورس، وهو يمثل الصقر، ويرمز له بعين هورس الشهيرة، دالة على أهمية الإنتباه. أما في حضارة ما بين النهرين فنجد أن الآلهةماردوكلديه عيون على كافة أنحاء رأسه. فهو يلاحظ كل شيء، وينتبه لكل شيء.

في هذه الحالة يحاول الإنسان أن يرى ما هو جميل؛ ماديا ومعنويا، يحاول أن ينظر إلى ما هو صالح وخيرِّ، ويحاول أن يتبع ما هو حقيقي. فبالنهاية هذا ما يجعل حياة أي إنسان تستحق أن تعاش، مهما طالت أو قصرت. ليس هذا وحسب، بل أن هذا النوع من التركيز، في كل ظرف وفي كل حالة، هو ما سيغير حالة الشخص من السلبية إلى الإيجابية. فلن تجد أمراً إيجابياً في خارج أحد هؤلاء: الحق، الجمال، والصلاح.

الهدف هنا أن يكون هناك أمر إيجابي يمكنك أن تحول اهتمامك وتركيزك له عندما تتحول أفكارك إلى أفكار سلبية. فكما قلنا في النقطة الأولى، نحاول أن نزيل قوة الأفكار السلبية بالتمييز بين الحقيقة والخيال، وفي هذه النقطة نحاول استبدال الأفكار السلبية بأخرى إيجابية. عندما تنتبه إلى فكرة إيجابية اجلب فكرك وتركيزك إليها في كل مرة تجد أن أفكارك انتقلت للتفكير الفوضوي فيما هو سلبي.

قد تجد صعوبة في هذا، وهنا أيضاً، يمكننا الإستعانة بالكتابة كوسيلة لتحليل أنفسنا وإخراج أنفسنا من هذه الدوامة. فيمكننا الكتابة في ما نراه حقيقي، ما نراه صالح، وما نراه جميل. جميعنا لديه ما يقوله عن هذه الأمور. أبسط مثال هو كتابة أمور قد تكون بسيطة جداً، لكنها أيضاً مهمة جداً، نحن شاكرين لله عليها، أمور مثل وجود مكان يأوينا، وجود طعام نأكله، وجود ماء نظيف لنشربه، وجود مواصلات نستقلها، وجود علاج نتناوله، وجود أصدقاء يحبوننا أو عائلة تهتم بنا، وجود الإنترنت الذي يمكنك من قراءة مقالاتٍ كهذاوالكثير غيرها من الأمور الصغيرة التي نحتاجها وننسى أهميتها. أمور تكفي للشكر حتى في خضم المرض والمعاناة. لذلك عليك الإنتباه والتركيز، فمعظم هذه الأشياء نحتاج الإنتباه لملاحظتها.

بالخلاصة أقول، يبدو أن الطريقة الوحيدة للخروج من حالة الفوضى هو مواجهة الفكر وراء الفوضى. فالفوضى الداخلية هي فوضى مشاعر، وهذه المشاعر تنتج من أفكار خاطئة. فلا يمكنك منع حدوث المشاعر السلبية دون إيقاف الأفكار المنتجة لها، ولا يمكنك إيقاف هذه الأفكار السلبية دون أن تحاورها، أن تخرجها منك وتزنها، هل هي حقيقة أم وهم، أن تناقشها مع نفسك أو مع الآخرين، لا لتضع نفسك في حالة الضحية (فالكثيرونيشكونمشاكلهم ليحصلوا على القليل من الشفقة، لا ليجدوا حلولاً فعلية وحقيقية لمشاكلهم)، بل لوزن حقيقة الأفكار وخطأها والتعالج منها للوصول إلى حالة من النظام والسكينة في النفس. ثم لابد لك من الإنتباه والتركيز في ما هو إيجابي، ونقل فكرك له كلما حاد.

بيدو أيضاً بأن الأشخاص الذين لا يعانون بشكل كبير من فوضى السلبية والإكتئاب، حتى في صراع المرض، هم أشخاص صارعوا بأسئلة وجودية عميقة قبل حدوث المرض وقبل وقوع المشكلة. فأحد الأسئلة التي تحيرنا هو سؤال هدف ومعنى الحياة، فالإنسان يعيش سبعون عاماً أو ثمانون، لكنه يعمل وكأنه سيعيش للأبد، نستغرب من الألم والموت مع أنهما من أكثر الحقائق وضوحاً، فنحن نعيش انتظاراً للحادث المؤلم القادم، لتنتهي حياتنا بالحادث المؤلم الأكبر، وهو الموت. إن استطعنا أن نخرج هذه الحقائق من جعبة الخوف لنناقشها ونفكر فيها، أن نخرجها للنور ونفكر في هدف حياتنا، ربما يمكننا أن نجد الإيجابية والأمل في وسط الألم والمرض. فالموت مخيف، لكنه لا يكون صدمة إلا عند من يتجاهله. فهل للحياة معنى؟ أنا أظن ذلك، وأظن أن هذا المعنى لا بد وأن يكمن في الحق والجمال والصلاح، وأساس هذه الثلاث، أي المحبة.

2017-07-11T14:03:36+00:00 يوليو 2nd, 2017|

اضف تعليقا