الصيام و الصحة الهضمية

الرئيسية/المدونة/الصيام و الصحة الهضمية

الصيام و الصحة الهضمية

يُعتبر الصيام وسيلة فعالة للحفاظ على صحة الجهاز الهضمي، حيث أنه يعطيه فترة من الراحة تساعده على استئناف وظائفه بشكل أفضل وأكثر نشاطًا. لكن كحال أي تغيير في النظام الغذائي، قد تصاحب الصيام مشاكل هضمية يعود منشؤها إلى الممارسات الخاطئة التي تحرم الجسم من الفوائد التي يمكنه تحقيقها خلال فترة الصيام.

عادات سيئة، عادات جيدة

يرتبط شهر رمضان لدى معظم الناس بعادات وتقاليد معينة، من أبرزها الموائد الرمضانية الزاخرة بمختلف أنواع الطعام، والتي يقتصر بعضها على شهر رمضان بشكل حصري. وتجمع العادات الغذائية في رمضان بين ما هو حميد وما هو ضار بالصحة، خاصة الصحة الهضمية. فبينما يكون التمر والحساء حاضرًا في معظم الموائد في رمضان، إلا أنهما يكونان جنبًا إلى جنب مع المقبلات المقلية الغنية بالنشويات والسعرات الحرارية، ورغم أن الفول والحمص وغيرها من البقوليات الغنية بالمواد الغذائية المفيدة للجسم تكون حاضرة في السهرات الرمضانية، إلا أنه ما يلبث أن تتبعها الحلويات الرمضانية الخاصة المغرقة بالسكريات، ومن المعروف أن تناول النشويات المكررة له آثار سلبية على الجهاز الهضمي وعلى الجسم بشكل عام. لذا، لا بد من التفريق بين ما هو جيد وما هو سيئ من الممارسات المرتبطة بشهر رمضان، فاستبدال منتجات الدقيق الأبيض بدقيق القمح الكامل يؤثر بشكل كبير على عملية الهضم لاحتواء الأخير على الألياف الغذائية الضرورية لصحة الأمعاء، كما أن التقليل من استهلاك الحلويات الغنية بالسكريات كالقطايف والكنافة والاستعاضة عنه بالفواكه والتمر بأنواعه له أثر إيجابي مماثل أيضًا، لتقليل كمية السكر المستهلكة من جهة، واحتوائها على الألياف الغذائية من جهة أخرى، مما يعزز الصحة الهضمية ويساعد على تجنب زيادة الوزن التي يعاني منها الكثيرون خلال شهر رمضان.

الماء أولًا

يقع بعض الصائمين في خطأ عدم شرب كميات كافية من الماء، حيث يلجأ أكثرهم إلى ري عطشهم في بداية الإفطار، لكنهم بعد ذلك يستعيضون عن الماء بالمشروبات الغازية أو العصائر المحلاة أو الشاي والقهوة، والتي تُعتبر مدرات للبول لاحتوائها على نسبة عالية من الكافيين. وللإهمال في شرب الماء أثر مباشر على صحة الجهاز الهضمي، فحتى لو كان الشخص يتناول طعامًا صحيًا يحتوي على كميات كافية من الألياف، إلا أن عدم وجود كميات كافية من الماء ستؤدي إلى الإصابة بالإمساك وعسر الهضم أيضًا، إذ أنه كلما ازدادت نسبة الألياف الغذائية ازدادت حاجة الجسم إلى الماء، وتلك هي المعادلة المثالية لجهاز هضمي سليم. ومن الأخطاء الأخرى التي يقع بها الناس في فترات الصيام شرب كميات كبيرة من الماء قبل أو بعد الوجبات مباشرة، مما يؤدي إلى عسر الهضم والشعور بالثقل والخمول، لذلك يُنصح بشرب الماء على دفعات خلال فترة الإفطار وعدم الإكثار منه قبل وبعد الأكل مباشرة، إضافة إلى تناول الخضروات والفواكه الغنية بالماء الذي يتم امتصاصه ببطء في الأمعاء مما يمنع العطش ويحمي الجسم من الجفاف لفترة أطول.

كميات ونوعيات

ولعل من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الصائمون تناول كميات كبيرة من الطعام دفعة واحدة، ولذلك آثار سلبية تتمثل في إرهاق المعدة والجهاز الهضمي والتسبب بعسر الهضم، ويزداد الأمر سوءًا حين يلجأ الشخص إلى المشروبات الغازية ظنًا منه أنها تساعد على الهضم، إلا أنها تزيد من العبء الواقع على الجهاز الهضمي فحسب. ولتجنب ذلك، يُنصح ببدء الإفطار ببعض التمر والحساء الدافئ أو اللبن للحصول على الطاقة اللازمة وتهيئة المعدة لاستقبال الطعام بعد الامتناع عنه لساعات طويلة، وتناول وجبات صغيرة متباعدة خلال ساعات الإفطار.
لكن الأمر لا يتعلق بالكميات فقط، فنوعية الطعام تلعب دورًا كبيرًا في الحفاظ على عملية هضم سليمة وسلسة خلال شهر رمضان. فكما تمت الإشارة آنفًا، من المهم التركيز على مصادر الألياف الغذائية كالحبوب والقمح الكامل، بالإضافة إلى أن تناول كميات كبيرة من اللحوم قد يضع عبئًا زائدًا على المعدة، بينما تُعتبر الحبوب بديلًا مثاليًا كونها مصدرًا ممتازًا للبروتين والألياف الغذائية في الوقت ذاته. أما الخضروات والفواكه فتشكل الأطعمة المثالية للاستهلاك خلال شهر رمضان كونها مصادر صحية للطاقة والفيتامينات التي يحتاج إليها الجسم، ولاحتوائها على نسبة منخفضة من الدهون. كما يُنصح بالابتعاد عن الأطعمة حارة النكهة والغنية بالتوابل لكونها مرهقة للجهاز الهضمي، وكذلك الابتعاد عن الأطعمة التي تحتوي على نسبة عالية من الصوديوم، أو بمعنى آخر الأطعمة المالحة، خاصة الوجبات الجاهزة والمعلبة، فإضافة إلى كونها تسبب العطش والجفاف فهي تؤدي أيضًا إلى إعاقة عملية الهضم.

الحركة بركة

يتخذ بعض الناس من الصيام ذريعة للتقليل من نشاطهم الحركي خلال شهر رمضان، بحجة التعب قبل الإفطار والشعور بالثقل بعده، ومن المعروف أن الحركة وممارسة الرياضة وسيلة مهمة لمكافحة الإمساك وعسر الهضم، إذ أنها تؤدي إلى زيادة إفراز الإنزيمات الهاضمة التي تساعد على هضم الطعام بشكل أفضل. لذلك يُنصح بممارسة رياضة خفيفة كالمشي قبل الإفطار بحيث لا تؤدي إلى الإرهاق أو الجفاف لدى الصائم، أما التمارين الأكثر شدة فيمكن ممارستها بعد الإفطار بساعتين على الأقل، مع الحرص على عدم تناول وجبات كبيرة تؤدي إلى الخمول والثقل.

فرصة ذهبية

إن شهر رمضان فرصة ذهبية بالفعل لتحسين الصحة العامة للجسم والصحة الهضمية بشكل خاص. وبينما قد يعترض البعض على ذلك، بحجة إن ساعات الصيام الطويلة وطبيعة الأطعمة المستهلكة في رمضان تؤدي إلى السمنة والثقل والخمول، فبالنظر إلى كل ما تقدم نرى أن الأمر يعود في النهاية إلى الخيارات الشخصية والنظام المتبع خلال الشهر الفضيل، وذلك أمر يحتاج إلى جهد واعٍ لاتخاذ الخيارات الصحيحة، كما يحتاج إلى وقت للتعود على تلك الخيارات حتى تصبح هي الشيء المعتاد والطبيعي. مثلًا، يمكنك الاختيار بين الجلوس لمدة ساعتين أمام التلفاز أو المشي لمدة نصف ساعة في الحديقة قبل الإفطار. أما على مائدة الطعام فتكون الخيارات أكثر تعددًا وصعوبة، لكنها تصبح سهلة إن اتبعت قاعدة الاختيار الصحي، فتختار الخبز الأسمر بدل الأبيض، والتمر بدل البقلاوة، والعصير الطبيعي أو الشاي الأخضر بدل المشروبات الغازية.

فضيلة الاعتدال

في النهاية، يبقى الاعتدال هو سيد الموقف، فالهدف هو الحفاظ على صحة الجسم والجهاز الهضمي باتخاذ أكبر قدر ممكن من الخيارات الصحية، وليس الحرمان من المشهيات والأطعمة الموسمية الرمضانية بشكل كامل، وإنما تناولها من دون إفراط، وعدم جعلها عادة يومية. كما أن الابتعاد عن الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات يؤدي تلقائيًا إلى زيادة استهلاك الأغذية الصحية، وبالعكس، فإن حصل الجسم على الطاقة التي يحتاج إليها من مصادر غير صحية فلن تكون هناك رغبة في تناول الطعام الصحي الذي يحتاج إليه الجسم فعلًا، فإن وضعنا نصب أعيننا مصلحة أجسامنا والحفاظ على صحتها كأولوية قصوى، سيكون من الأسهل علينا اتباع نظام يخدم تلك المصلحة ويعزز صحتنا العامة خلال شهر رمضان وما بعده أيضًا.

وكل عام وأنتم بخير!

2017-07-11T14:03:44+03:00 يونيو 11th, 2017|

اضف تعليقا