التوحد وأثر الاكتشاف المبكر- الجزء الثاني

الرئيسية/المدونة/التوحد وأثر الاكتشاف المبكر- الجزء الثاني

التوحد وأثر الاكتشاف المبكر- الجزء الثاني

 

نتابع فيما يلي القصة الثالثة لتجارب عائلات خاضت و تخوض التحديات مع ابناؤهم المصابين بالتوحد:

دانة

تُعتبر دانة – التي تبلغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا الآن- حالة نادرة، حيث تشكل الإناث ما نسبته 20% فقط من حالات التوحد حول العالم، إلا أنّ حالات التوحد لدى الفتيات عادة ما تكون شديدة ومتقدمة.
تقول سناء، والدة دانة: “لاحظنا وجود مشكلة لدى دانة في عمر العام وثمانية أشهر. ما جعلنا نشك في ذلك هو أنها لم تكن تنام إلا قليلًا، حيث لم تكن تنام أكثر من أربع أو خمس ساعات في اليوم، كما أنها لم تكن تشعر بالألم، فذات مرة أغلق الباب على يدها مما أدرى إلى تورمها، لكنها لم تشعر بشيء، وتكرر ذلك في مواقف مشابهة أخرى، مما جعلنا ندرك أن هناك أمرًا غير طبيعي. لكنني ظننت أنها مشكلة عادية يمكن علاجها بالأدوية كغيرها من الأمراض المعروفة، لم أكن أدرك أن الأمر أبعد من ذلك، ولم أجد من يشخص حالتها بشكل صحيح، حتى طبيب الأطفال الذي عرضتها عليه قال لي إنها لا تعاني من أي مشكلة وإنها تحتاج إلى وقت فقط لتتعلم الكلام وغير ذلك من السلوكيات الطبيعية لدى الأطفال.”
وتتابع سناء الحديث عن رحلة العلاج الطويلة التي بدأت بالسفر إلى إنجلترا حيث عُرض عليهم تركها ليتم علاجها هناك، لكنها فضّلت العودة بابنتها إلى الأردن حيث ظنت أن علاج التوحد واحد وممكن في كل مكان، لتتفاجأ بنقص كبير في الكوادر المتخصصة والمؤهلة، والكلفة الباهظة للعلاج. “كل شخص كان يعطيني تشخيصًا مختلفًا، وكانوا يعدونني بأنهم سيعملون على تحسين حالتها جذريًا، لكن ما كان يحدث هو أننا نتعرض للاستغلال دون الحصول على نتيجة تُذكر.”
وعن تجربتها الخاصة تقول سناء: “حين عدت إلى عمّان قمت بافتتاح مركز خاص للمصابين بالتوحد، لكنني لم أحصل على أي دعم أو مساعدة، ولم يلقَ المركز إقبالًا كافيًا رغم وجود عدد كبير من حالات التوحد التي تحتاج إلى ذلك النوع من الرعاية، واضطررت إلى إغلاق المركز في النهاية بسبب تكلفته العالية وعدم وجود مردود يغطي نفقاته.”
حين أصبحت دانة في الخامسة عشرة من العمر انتقلت العائلة إلى الولايات المتحدة، ويبدو الأسف واضحًا في صوت سناء وهي تقارن بين الرعاية التي تلقتها دانة هناك والتي كانت تتوفر بشكل مجاني، وبين تدني مستوى الرعاية المتوفرة في بلدها الأمّ وارتفاع تكلفتها، عدا عن عدم تفهم المجتمع لوضعها وحالتها، وتتساءل عن الفرق الذي كان سيحدثه ذلك لدى دانة لو أنها تلقت تلك الرعاية في عمر مبكر.
“دانة اليوم هي صديقتي.” تقول سناء واصفة وضع دانة الحالي. “إنها تحب الخروج ومخالطة الناس، وتحب المهن اليدوية، كما أنها فتاة حساسة جدًا لدرجة أن أيّ مشهد مؤثرعلى التلفاز قد يبكيها، بعكس ما كانت عليه في صغرها. حتى نومها تحسن كثيرًا حيث أصبحت تنام ثماني ساعات متواصلة في اليوم. أعرف أن حالتها غير قابلة للشفاء، لكن يمكننا التعايش معها، وكل ما يهمني هو أن تكون سعيدة وبصحة جيدة.”

عمر

“كان عمر طفلًا عاديًا تمامًا قبل سن العامين والنصف.” تقول دينا والدة عمر البالغ من العمر ثماني سنوات. “بعد ذلك، صمت عمر فجأة. لم يعد يتفاعل مع أحد، حتى معنا نحن في البيت. تحوّل سلوكه الاجتماعي بشكل جذري من طفل يتحدث إلى الجميع إلى طفل لا يتكلم إطلاقًا. كان للأمر مقدمات موضوعية، حيث كان والده يتأخر في العمل كثيرًا، وكانت لدي عاملة منزل وسافرت، ثم سافر خاله الذي كان عمر متعلقًا به كثيرًا. وكون عمر كان طفلًا ذكيًا جدًا سجلته في روضة أطفال كمستمع في عمر الثلاث سنوات، وكانوا يتركونه مع عاملة التنظيف طوال الوقت. بعد ذلك سجلته في حضانة، كوني أمًا عاملة، وكانوا يتركونه أمام التلفاز يشاهد إحدى محطات الأطفال الغنائية، والتي قال لي الطبيب فيما بعد إن الأغاني التي تبثها تساهم في تطور حالات التوحد لدى الأطفال.”
وتواصل دينا كلامها عن تشخيص حالة عمر قائلة: “لم نكن نعيش حالة إنكار تامة، كنا ندرك وجود مشكلة لدى عمر، لكننا كنا متمسكين بأمل أن يكون ظننا خاطئًا. في البداية تم تشخيصه بمتلازمة نقص التركيز وفرط الحركة، الأمر الذي تقبلناه لأن أعراضه كانت واضحة لديه، لكننا لم نسلّم بأنه مصاب بطيف التوحد منذ البداية، حتى تم تقييمه حالته لاحقًا من قِبل طبيب متخصص.”
“في عامه الأول في الروضة أظهر عمر تفوقًا في الجانب الأكاديمي، لكنه كان عديم التفاعل مع أقرانه. كانت معه معلمة مرافقة Shadow Teacher رافقته مدة ثلاث سنوات، لكنها لم تكن مؤهلة كما يجب، كانت أقرب إلى جليسة أطفال لا أكثر. في نهاية العام كانت حالة عمر قد تحسنت كثيرًا، حيث بدأ يتكلم من جديد وتعلم القراءة، وأعتقد أن الجزء الأكبر يعود إلى المجهود الذي كنت أبذله معه في البيت. حتى فحص الذكاء أظهر أنه يمتلك نسبة ذكاء عالية، لكن ذلك لم يكن مهمًا بالنسبة إلي، ما كان يهمني هو وضعه النفسي.”
وتتطرق دينا بتفصيل أكبر إلى ذلك المجهود الشخصي قائلة: “اختلقت آليات متعددة لإخراج عمر من الحالة التي هو فيها، ومن ذلك أنني كنت أحثه على التواصل البصري بأن أقول له: أنا أحبك كثيرًا. الطفل الذي أحبه موجود داخل عيني، انظر وسوف تراه. كما كنت أشجعه على الاندماج مع الآخرين وأصحبه معي إلى كل مكان، ولم أعد آخذه إلى بيوت الأشخاص الذين يتضايقون منه، بل وقطعت علاقتي بأشخاص كثيرين من أجله. كما أن لدينا نشاطاتنا الخاصة التي نقوم بها معًا، كالتلوين واللعب بالصلصال.”
وتضيف قائلة: “ليس سهلًا أن تكوني أمًا لطفل مصاب بالتوحد، وأنا شخصيًا لا أثق بأي مركز لعلاج التوحد هنا. كل طفل مصاب بالتوحد يمثل حالة خاصة وتجربة فردية، وإن استطاعت الأم أن تخلق لطفلها تجربته الخاصة في المنزل فسيكون لذلك أثر كبير عليه، لكن ذلك يحتاج إلى كثير من الوقت والصبر.”

خلاصة

بالرغم من التباين الواضح بين هذه القصص الأربع، وكون كل منها حالة متفردة بحد ذاتها، إلا أن هناك أمورًا تكررت على لسان جميع الأمهات بشكل أو بآخر وتم لمسها في حديثهنّ، وأبرزها أهمية الاكتشاف المبكر وأثره في تحسن حالة الطفل، إضافة إلى الدور الكبير الذي يلعبه توفر الرعاية اللازمة للأطفال المصابين بالتوحد وتقبل المجتمع لهم وتفهمه لحالتهم.
لا شك في أننا نعاني من نقص كبير في الخبرات والخدمات المتوفرة لأطفال التوحد في الأردن، ويتضح ذلك أكثر بمقارنته بما يتوفر في دول أخرى، وأثر تلك الرعاية في تحسن حالات التوحد وأعراضه لدى الأطفال. وكما تؤكد جميع الأمهات اللاتي تمت مقابلتهن، كلما تم اكتشاف الحالة وتشخيصها بشكل مبكر، كلما كان هناك مجال أكبر للتحسن والتوصل إلى نتائج أفضل، مما يدعو إلى العمل على نشر الوعي حول أعراض التوحد وعلاماته المبكرة وتثقيف الناس بها، والتخلص من الوصمة المجتمعية المرتبطة به لخلق مجتمع أكثر تفهمًا وتقبلًا لمرضى التوحد، إضافة إلى العمل على رفع مستوى الخدمات والرعاية المقدمة للمرضى، والكوادر المتخصصة للتعامل معهم وإدماجهم في المجتمع.

2017-07-11T14:03:07+00:00 يوليو 16th, 2017|

اضف تعليقا