نعمة الإبصار

كانت محاضرة من سلسلة محاضرات أطلقتها حول تقوية الذات والإرادة لمواجهة الصعوبات التي نواجهها بالحياة بل و أيضاً والتحلي بالقدرة على مواجهة الإعاقات. لا بد وأن أذكر تلك القصة التي أثرت بي بعد قراءتها.ذلك الشخص الذي أطلقت عليه اسم سعيد في تلك الغرفة في المستشفى حيث كان منغمسا في حديثه مع صديقه العاجز القابع بجواره وهو يخبره عن الأمل في الحياة ويقص عليه بالتفاصيل لكل ما يراه من جميل عبر النافذة الوحيدة في تلك الغرفة، حتى بات العاجز قادرًا على التحلي بالإرادة والأمل، وبعد مغادرة سعيد طلب أن ينتقل مكانه ليتابع في نشر الأمل. وعندما استقر في سريره الجديد طلب من الممرضة رفعه ليرى من النافذة، وما أن فعلت حتى صرخ مستنكرًا:” ومنذ متى بني هذا السور؟” فردت عليه الممرضة:” منذ تم بناء المستشفى”. وفي لحظة انفعال قال لها: “أنت لا تقولين الصدق، إن كان هذا السور مبني منذ تلك الأيام فما الذي كان يراه سعيد ليصف لي جمال الشمس والاطفال والبحيرة وكل هذا؟” فردت عليه الممرضة:” أرجوك ان تهدأ، لأني اعتقد انك لا تدرك ما تقول، لأن سعيد كان أعمى! كان فاقدًا للبصر فلم يكن قادرًا أصلًا على الرؤيا.

وفطن الرجل أن زميله كان يحاول أن يرى الدنيا بالبصيرة والأمل وأن هناك شيء جميل في كل ما يحصل معنا فلا نفقد الأمل والإرادة.

وما أن أنهيت كلامي حتى سمعت صبية تنحب بهدوء وحرقة، ومع بداية الاستراحة ذهبت لها وأمسكت بيدها وقلت لها:” يا ابنتي هذه المحاضرة وتلك القصة لتقوية ذاتنا، ولرؤية الأمل يشع حولنا دومًا، اعتذر ان ازعجتك!” وردت علي قائلة:” لقد حركت مشاعري فأخي الصغير يعاني من مشاكل في الرؤية وقال الطبيب أنه سيعاني من فقد الابصار والعمى، فلم أتملك أعصابي وتأثرت بالقصة”.

هو ليس أخيها فقط ولا طفل واحد فقط بل العشرات والمئات من الأطفال هم عرضة لفقد الإبصار. حيث بينت الدراسات أن حالات الخلل الناتج عن الاخطاء الانكسارية (قصر او طول النظر) او انحراف في القرنية كثيرة، وأن نسبة تصل إلى 20 % من الاطفال الذين يعانون من قصر البصر أو الانحراف أو الكسل البصري ودون أن ينتبه الأهل لها، بالإضافة إلى الأطفال الذين يعانون من الحَوَل! ولحماية بصرهم يجب أن نعرف أن الأمل لا يزال يلوح بالأفق، فيجب تحويل هؤلاء الأطفال إلى المراكز الطبية لأمراض العيون ومعالجتهم حفاظًا عليهم من إصابات العين مثل: كسل البصر والذي يُعَدُّ نوعًا من أنواع الاعاقة البصرية، أو فقد البصر في الحالات المتقدمة.

يجب زيادة توعية الناس في كافة المستويات لخطورة أمراض العين إن تم إهمالها وذلك سعيًا لتقليل الانتشار الحالي لفقدان البصر وخاصة عند الأطفال، وإعلامهم بضرورة مراجعة طبيب العيون في أسرع وقت ممكن عند ملاحظة أية تغيرات، مثل تغيّر شكل العين أو الشكوى من اضطراب في النظر.

لماذا لا يتم توزيع نشرات تثقيفية على الأهل والتي تبين أمراض العيون والأعراض التي يشعر بها الشخص المصاب ؟ لماذا لا نقوم بعمل حملة من المحاضرات والبرامج المتلفزة لتوضيح هذه الظاهرة؟ هذه الأسئلة كانت تدور في ذهني! ما الذي يمكن فعله لحث الناس على القيام بفحص نظر لعيون أبنائهم! بالفعل إن هذا أمر غير وارد بشكل عام، وأنا شخصيًا لم أقم بهذا، ولم يخطر ببالي. إنه فحص بسيط على الأهل القيام به للتأكد من سلامة عيون وبصر أطفالهم، فأية مشكلة إن اكتشفت في بدايتها يكون حلها والسيطرة عليها ممكنة، فقرأت أن تأخر علاج اعتلال الشبكية المصاحب للولادة على سبيل المثال يؤدي إلى فقدان البصر الكامل، وأن إهمال علاج حساسية العيون عند الأطفال في الوقت المناسب سيؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل القرنية المخروطية.

وقررت أن أتخذ إجراءً، وبالفعل في المحاضرة التالية ولأضيف على الموضوع بعض التفاصيل طلبت من صديق لي وهو طبيب العيون في مركز الخالدي للعيون أن يكون ضيفًا في المحاضرة لنعطي بعض المعلومات العلمية وليس فقط تقوية الإرادة لمواجهة الصعوبات.

وابتدأ قائلأ: ” أن عيون الأطفال البريئة تحتاج منا كل عناية، فقد يصعب عليهم التعبير عما يشعرون به أو يشكون منه! وللعلم فإن أمراض الحساسية والحَوَل من أشهر ما يصيب عيون الأطفال بالأردن، ويجب معرفة أن انتشار أمراض حساسية العيون تزيد في العالم العربي بشكل عام، وهناك أيضًا انتشار لبعض الأمراض الخلقية، والوراثية وبخاصة زواج الأقارب من الدرجة الأولى وتكرار الزواج داخل العائلة، وأن الاكتشاف المبكر في جميع الأحوال يعطي فرصة للأطباء لوضع خطة علاج لتجنب تفاقم المشكلة، وقد تبدأ بالفحص وارتداء النظارات المناسبة، وتتقدم إلى إجراء عمليات، حيث يتم عند اكتشاف بعض حالات الحَوَل إجراء عمليات قبل عمر سنتين تساعد الطفل على التخلّص من تلك المشكلة ليكون سليم النظر، ولكن يجب السرعة في الملاحظة والمراجعة والاستشارة الطبية حيث مثل أي مرض آخر يُعَدُّ الزمن عاملًا حاسمًا.

وكنت سعيدة لاستجابة الطلبة للملعلومات وبدأوا بالأسئلة فسأل أحد الطلبة:” وماذا يعني كسل العين؟

فرد الطبيب موضحًا: أن الكسل البصري هو ضعف النظر في العين والذي لا يمكن إصلاحه بالنظارات، ويكون غالبًا بسبب ضعف المنطقة المسؤولة عن النظر في هذه العين في الدماغ. وأحد أسبابه هو الحَوَل. حيث تصل للدماغ صورتين فيقوم بإهمال الصورة من إحدى العينين مما يسبب لها الكسل.

وهناك أنواع من كسل العينين، بسبب اختلاف الانكسار بين العينين وهذا نوع متقدم يحتاج إلى فحص ومسح متخصص للعين، ويجب أن تتم السيطرة على الكسل مهما كان نوعه في سن مبكرة من الطفولة لتجنب آثاره على البصر مستقبلًا.

وفورًا خطر بالي وسألت الطبيب: وهل هناك علاج للكسل البصري؟

فرد قائلًا:” يجب معرفة السبب ومعالجته، وأحيانًا نضطر لاستخدام اللصقات على العين السليمة، ليتم التركيز بالنظر على العين الأخرى الكسولة لتقويتها”.

وفاجأني سؤال ذكي من إحدى المشاركات: ” هل تعتقد أن تقدم التكنولوجيا وكثرة استخدام الهواتف النقالة والآي باد، والألعاب الالكترونيّة وخاصة عند الأطفال، تؤثر في قوة الإبصار.

أعجبني السؤال لأنني أعرف أن القدامى كان لهم مجال ليمدوا بصرهم في الطبيعة بدون ملوثات ضوئية وإشعاعات صاخبة، وبدون عادات العصر الحديثة من ملازمة العين للشاشات الإلكترونية بأنواعها، وكنت ارغب بسماع رأي الطبيب الذي أجاب: ” لا بد من أن هذه الشاشات وما تطلقه من أشعة، وما يبذله الأطفال من تركيز بصر عليها طوال الوقت تلعب دورًا هامًا في زيادة فرصة مشاكل البصر بين الأطفال، لذا لا بد للأهل من تنظيم فترات لعب أطفالهم عليها، ليس فقط لمراقبة صحة بصرهم بل وللتحقق من تفاعلهم الاجتماعي.

ولم أصدق سمعي عندما قال الطبيب أن هناك بعض حالات سرطان الشبكية عند الأطفال وتؤدي للموت وليس فقط لفقد البصر، لقد خفق قلبي رهبة من تلك الفكرة.

وبما أن الأردن بلدٌ رائد في مجال طب العيون، لا بد من تشجيع الأهل على فحص عيون أطفالهم وبشكل دوري والمتابعة للوقاية من أي تطورات خطيرة تؤدي إلى فقد البصر وما يتبع هذا من كلفة وعبء على الفرد نفسه مع تطور الزمن ونموه، وعلى الأسرة وعلى الدولة.

وشهق الحضور عندما أضاف الطبيب أن العاب الأطفال مثل المسدسات التي تحتوي الطلقات السريعة أو حبات الخرز والسيوف والسهام تلعب دورًا سلبيًا في إصابات عيون الأطفال وتؤذيها وقد تسبب العمى للبعض منهم حسب خطورة الإصابة.

وقد تمت ملاحظة مدى سيطرة الأردن على المسببات لفقدان البصر في وقت مبكّر، وعملت على تحسين نوعية الفحوصات، وتحسين التغذية ونشر التوعية مما أدى إلى تناقص حالات العمى في السنين الأولى من الطفولة عبر الزمن وهذا يظهر من تراجع الحالات بشكل عام. بل وأن في مستشفى ومركز الخالدي الطبي، مركزًا متخصصًا يدعى مركز الخالدي للعيون، والذي يُعَدُّ أحد المراكز الرائدة في الأردن ومنطقة الشرق الأوسط، وذلك لما يوليه من اهتمام خاص بأحدث التقنيات و البروتوكولات العالمية في التشخيص و العلاج والعمليات الجراحية الخاصة بالعيون كجراحة الساد (الماء الأبيض) وجراحة العيون الانكسارية، والتخصصات الطبية المختلفة كطب عيون الأطفال والشبكية و الجلوكوما وذلك بالعمل مع كوادر فنية و تمريضية مؤهلة مما جعله يصبح المركز المعتمد من السفارات و الهيئات الدولية!

وأشار الطبيب إلى أن المركز يشمل أحدث أجهزة التصوير الرقمي مثل تصوير العين المقطعي الضوئي، والتصوير بدون صبغة والتصوير بالأمواج فوق الصوتية للعين، وأداء المقياس الحيوي للعين قبل عمليات الفاكو، بالإضافة إلى تصوير العين بالفلوريسين.ويجمع المركز بين الجودة العالية للخدمات والتكلفة المعقولة للعلاج

وأضاف الطبيب إلى تقدم طب العيون في الأردن على مستوى المنطقة، لذا لا بد من التوسع في نشر التوعية لإدراك أهمية وصحة نعمة الإبصار.

وبعد الانتهاء من المحاضرة، قدمت طالبتي إلى الطبيب الذي طلب منها تفاصيل عن وضع أخيها، وأعطاها رقمًا للاتصال به وزيارة مركز الخالدي للعيون ليرى إمكانية مساعدة أخيها لوقاية بصره وعدم فقده.

وما جعلني اتفاءل بإمكانية علاج أخيها عندما اخبرني الطبيب  بأن المركز يقوم بعلاج ما يزيد على ٥٠٠ حالة إنسانية للاجئين السوريين و الغير مقتدرين الأردنيين من خلال برامج رعاية صحية و انسانية و أنه من الممكن مساعدة هذا الطفل اذا تعثر عليه العلاج.

و عندما أخبرتها بهذا الخبر، نظرت إليّ وقالت: أتم الله عليك نور عينيك، فقد فتحت أعيننا جميعًا على موضوع لم نلق له بالًا ولم نعرف أن هناك علاجات ووقاية له، استاذتي سأكون معك ومع الطبيب في أي حملة توعية لتوضيح قيمة نعمة الإبصار.

2017-07-11T14:04:31+03:00 أبريل 24th, 2017|

اضف تعليقا