نافذة النجاة

اعتقد أن كل منا مر في موقف يكون في انتظارشخص عزيز في وحدة علاج جلطة الدماغ الحثيثة ليخرج الطبيب من عنده بخبر مفرح بنجاة العزيز من الخطر.

كنت انتظر خروج زوجي والقلق يأكلني والتوتر بادي على محيايّ، رغم إيماني وصبري، إلا أنني لم أتمكن من كتم مشاعري، فقمت أتجول وأمشي لأفرّغ جزءًا من التوتر ريثما تمر الساعات، ويأتي من يزف لي خبر نجاح العلاج.

لا أدري هل أعتب عليه وهو في شدته؟ الله يسامحه لا يهتم بصحته أبدًا يعاني من ارتفاع مستويات الكولسترول، وارتفاع ضغط الدم، وهو مدخن، وهو في نهاية الأربعينات، وقلة الحركة بدأت تترك آثارها عليه فهو يعاني من السمنة، لقد كنت أشعر بحركاته المجهدة عندما يعود إلى البيت بإرهاق بعد يوم عمل طويل، وانا أقول له يا رجل حرام عليك ارحم حالك لأجلنا ولأجل الأولاد ولأجل صحتك وهي الأهم، كنت أشعر كأنه يثقل على قلبه.

وكم كانت تصاحبني حالة رعب عندما أفكر في الجلطة، وخاصة إن تابعت برنامج صحي يتحدث عن الموضوع وأسمع فيه أن الجلطة الدماغية من الأسباب الرئيسية للوفاة أو التسبب بالشلل الخطير والطويل الأمد في جميع أنحاء العالم.

وكم صادفت أشخاصًا مصابين بشلل نصفي أو يعانون صعوبة في الكلام ويكون السبب في الغالب آثار خلفتها الجلطة الدماغية.

وبالفعل حدث المكتوب، وكما قيل المقدمات المحددة تؤدي إلى نتيجة محددة، مهما حاولت أن أقول لا سمح الله ولكن الجلطة نتيجة شبه واضحة لكل ما سبق ذكره عن وضع زوجي.

سبحان الله كنت قبلها بعدة أيام أقرأ في نشرة توعوية عن الموضوع في مستشفى مركز الخالدي الطبي، استعرض فيها الدكتور موريس دحدلة (إستشاري أمراض الدماغ والأعصاب)، والدكتور عزام جميل ( نائب المدير الطبي / رئيس قسم العناية الحثيثة بمستشفى ومركز الخالدي الطبي) عن تطورات طرق العلاج والأدوية للجلطات على مر السنين لمواجهة هذا الخطر، مما أدى إلى توسيع فرص النجاة لضحايا الجلطة الدماغية وابقائهم على قيد الحياة والتخفيف من آثار الجلطة السلبية.

ولا أدري ما الذي شدني لهذه المقالة العلمية، وكأنها إشارة من القدير حيث تطرقت المقالة في بدايتها لمفهوم الجلطة الدماغية، والتي تحدث في الأساس عندما تنقطع إمدادات الدم إلى الدماغ ما يعني أنَّ الدماغ لم يَعُد قادرًا على الحصول على الأكسجين والمواد المغذية الضرورية. وأصعبها الجلطة الدماغية الحادة، وهي ناتجة عن انسداد في أحد شرايين الدماغ مما يؤدي إلى عدم وصول الدم لمنطقة الدماغ المصابة، وكم شعرت بالاستغراب عندما علمت ان 2 مليون خلية من المخ تموت في كل دقيقة تمر ولا يتدفق الدم إلى الدماغ !

وهذا هو سبب خطورة أثر الجلطة على المصاب، سواء في البقاء على قيد الحياة، أو قدرته على التحرك أو التحدث، أو غيرها من الوظائف الجسدية على حسب الجزء المصاب من الدماغ إن حالفه الحظ وبقي على قيد الحياة!

والأكثر غرابة أني كنت أفكر أن الجلطة لا تصيب إلا كبار السن ولكن الحقيقة أنَّ أي شخص في أي مكان وبأي عمر عنده أعراض مثل تلك التي عند زوجي وزيادة عليها مرض السكري أو القلب تجعله عرضة للاصابة بها، ولعل هذا ما جعلني أكمل قراءة المقالة، لعله الخوف الدفين في قلبي.

وقد أوضحت المقالة أن هناك بعض الأعراض التي يجب الانتباه لها والتصرف فورًا بعدها نظراً لأهمية الوقت بعد الإصابة، حيث كل ثانية تمر قد تكون حاسمة في فرص نجاة المصاب بالجلطة الدماغية وبقائه على قيد الحياة أو شفائه دون أن يعاني من المضاعفات الناجمة عن الجلطة الدماغية مثل الشلل أو العجز، وهذه الأعراض مثل أن يكون وجهه متدلياً على جانب واحد، أو يواجه صعوبة في رفع إحدى ذراعيه أو يعاني من صعوبة في الكلام وفهم ما يقال له، هذه الأعراض تقول لنا أن نستدعي سيارة إسعاف مجهزة على الفور لضمان قدرة المصاب على الاستفادة من الأدوية المتخصصة المتاحة لعلاج ضحايا الجلطة الدماغية الحادة.

كنت أحدّث نفسي وأنا أقرأ المقالة باستغراب، لأني ما كنت أعرف أن هناك علاجات للجلطة الحادة، أثارت فضولي هذه المقالة لأعرف ماذا يقول الطبيب، الذي شرح قائلًا: ونظراً إلى أن الجلطة الدماغية الحادة سببها تجلط في الدم فيتم التعامل معها عن طريق دواء يذوَب الخثرات الدموية التي تمنع الدم من الوصول إلى المخ ومن بعدها تأتي تداخلات القسطرة التشخيصية والعلاجية لسحب تخثر الدم.

ويسمى هذا الإجراء “انحلال الخثرة” ويسمى الدواء الذي يستخدم في هذه العملية “منشطات مولد البلازمينوجين في النسيج” ( (TPA الذي يتم تلقيه عن طريق الوريد في الذراع لمدة ساعة تقريبًا. وأن هذا الدواء ظهر لأول مرة في عام 1989 وهو عبارة عن دواء قوي لإذابة تجلط الدم والذي يمكن أن يساعد بعض الناس على التعافي بشكل كامل من الجلطة الدماغية أو تخفيف آثارها.

وتمت الموافقة عليه من قبل الإدارة الأمريكية للأغذية والعقاقير في عام 1996 وأصبح المعيار الأساسي لعلاج السكتات الدماغية الحادة في العديد من بلدان العالم.

ولكن هناك وقت محدد للبدء بالعلاج، إذ يجب إعطاء المريض العلاج خلال مدة زمنية لا تزيد عن أربع ساعات ونصف من وقت ظهور أعراض الجلطة الحادة.

هذا وقد ازدادت الفترة الزمنية الممكنة بشكل كبير مما كانت في السنوات السابقة عندما كان يعتقد أنه لا يمكن إعطاء الدواء بعد مرور ثلاث ساعات. وهناك دراسات جارية حالياً قد تزيد نافذة فرصة النجاة إلى ست ساعات.

وبطبيعة الحال، فإن اعطاء الدواء مبكرًا يزيد من فعاليته، فإعطائه في الساعة الأولى من الإصابة بالجلطة الدماغية سيكون أكثر فعالية من اعطائه في الساعة الثانية وهلم جرا. ولهذا السبب من المهم أن نتصل بالإسعاف فورًا عند إصابة شخص ما بجلطة دماغية حادة ونقله إلى وحدة الجلطة الدماغية المتخصصة في أسرع وقت ممكن.

نافذة النجاة، استوقفتني هذه العبارة، وتذكرت دعوة أمي الله يفتح لك نافذة خير أمامك وفي طريقك يا بنتي، اقشعر بدني وانا أقرأ هذه العبارة التي تبعث على الأمل، نعم هذا العلاج مثل نافذة النجاة للمريض.

وتابعت القراءة وكنت فخورة عندما عرفت أن أحد صروح الطب في الأردن وهو مستشفى ومركز الخالدي الطبي يُعَدُّ المستشفى الوحيد في الأردن الذي تتوافر فيه وحدة علاج الجلطات الدماغية الحثيثة. حيث يحتاج علاج الجلطات الدماغية الحادة وهي عملية متعددة المراحل إلى المهنيين الطبيين المدربين والقادرين على التحرك بسرعة لإجراء الفحوصات اللازمة وإدارة العلاج المناسب وفقًا للمعايير المتفق عليها دوليًا.

وحال وصول المصاب بالجلطة الدماغية الحادة إلى المستشفى، يكون أطباء الأعصاب المتخصصون بانتظاره لتقييم وضعه. وفي الثلاثين دقيقة التالية يخضع المريض لفحص بالأشعة المقطعية أو التصوير بالرنين المغناطيسي لتحديد نوع الجلطة الدماغية.

وإذا كان من الممكن إعطاء المريض مذيب الجلطة. حيث لا يمكن اعطاء علاج الTPA لجميع الناس الذين يعانون من أعراض الجلطة الدماغية، مثل إن كان المريض يتناول دواءً غير متوافق مع الTPA أو إن تعرّض الشخص لعملية جراحية مؤخرًا، أو سبق تعرضه لجلطة دماغية في الأشهر القليلة السابقة، أو الحمل إن كانت المريضة أنثى، كل هذه الأمور تجعل الشخص غير مؤهل لهذا العلاج.

ولكن من الأسباب الرئيسية لعدم اعطاء المصاب الTPA عادة يكون وصوله الى المستشفى بعد نفاذ الوقت المحدد لبدء علاج الجلطات.

أما إذا تم اعطاء الTPA يقوم الممرضون والأطباء المدربون في وحدة الجلطات الدماغية الحثيثة في مستشفى الخالدي بمراقبة المريض عن كثب للتأكد من عدم وجود آثار جانبية إذ من غير الممكن اعطاء الTPA في مستشفى غير مجهز للتعامل مع بعض الآثار الجانبية الممكنة كالنزيف.

ويُعَدُّ هذا التجاوب السريع والمتكامل والمختص الذي يقدمه المستشفى مثاليًا من هذه الناحية، حيث تستقر وضعية المريض بعد ساعتين ونصف من وصوله ويمكنه مغادرة المستشفى بعد خمسة إلى سبعة أيام. ولا ينتهي عمل المستشفى هنا بل يقوم فريق مختص بمساعدة المريض على مقاومة أي تبعات ناجمة عن الجلطة في الأشهر التالية ومساعدته على استرجاع قدراته عن طريق العلاج الطبيعي والوظيفي وعلاج البلع والنطق على أحسن وجه ممكن، ومتابعة حياته بشكل طبيعي.

ولا أدري ما الذي جعلني أهتم بمعرفة رقم الاتصال بسيارات الإسعاف لمستشفى ومركز الخالدي الطبي، وأخذت الرقم وحفظته على هاتفي (0791990199) وكأنها رسالة غيبية.

ومرت الأيام إلى أن وصلنا إلى ظهيرة هذا اليوم، حيث عاد زوجي من العمل مبكرًا على غير عادته، ونظرت وجهه المتعب وقال لي أجد صعوبة في رفع يدي وشعرت وكأن وجهه مخدّر، ولا تسألوني ما الذي خطر على بالي عندما رفعت الهاتف وطلبت سيارة الاسعاف وهو ينظر لي باستغراب وفي فترة شعرت وكأنها دقائق قليلة كانوا عندي، وبدأ العلاج بالفعل في سيارة الإسعاف التي تحتوي على مختبر متنقل يضمن إجراء الفحوصات اللازمة في أسرع وقت ممكن.

والحمد لله فور وصولنا أخبرتهم أن الأعراض ظهرت قبل أقل من ساعة، ودخل غرفة وحدة علاج جلطة الدماغ الحثيثة وها أنا أنتظر بصبر أن يفتح الباب.

وفُتح الباب وخرج طبيب مبتسم واقترب من المرأة، وقال لها الحمد لله على سلامته، بالفعل أنت امرأة قوية وذكية، لقد كانت فرصة نجاة زوجك بدون أية أعراض تقارب 100% من تصرفك الحكيم.

شخصت ببصري للسماء وقلت: يا رب لقد فتحت لي نافذة النجاة.

2017-07-11T14:05:57+03:00 فبراير 26th, 2017|

اضف تعليقا