رسالة إلى صديقتي التي تخاف من الفحص المبكر

الرئيسية/مركز الخالدي لصحة المرأة وتشخيص أمراض الثدي/رسالة إلى صديقتي التي تخاف من الفحص المبكر

المشاعر المتضاربة وتغيير المنظور

وكأني رأيت العشرات من فقاعات التفكير تدور حول رأسها وفي كل واحدة تقول: لماذا؟ لا أريد! أنا أخاف؟ وماذا لوظهر شيء؟ ماذا لو كنت مصابة بورم؟ لا أريد؟ انكار؟ خوف؟ كل هذا شعرته يدور في عقل صديقتي وأنا أدعوها لمشاركتنا في الفحص السريري للكشف المبكر عن سرطان الثدي بعد محاضرة توعوية في الموضوع، نظراتها لي كانت تقول:” كأنك تريدين اخباري أنه يمكن أن يكون عندي ورم!!” ولكنها نطقت بسرعة وبحزم صارم بكلمتين فقط:” لا أريد!”. استغربت من الأمر وتذكرت كم من مرة سمعت النساء اللواتي أعرفهن واتعامل معهن و هنّ يقلن:” لا يا اختي ما بدي أفحص، انا متوكلة على الله والي بدو يصير رح يصير، ليش اخوّف حالي وأروح ويطلع معي ورم؟”

فانتابني شعور غريب وأنا أحدثها أعادني للوراء قرابة سبع سنوات أيام ما كنت أعمل موظفة في إحدى المؤسسات، وإذا بإدارة الشركة تقرر إقامة محاضرة توعوية من ضمن حملة الفحص المبكر لسرطان الثدي وكان شعارها” صار عمرنا بالأربعين وعلى فحص الثدي رايحين” وبكل براءة جمعت صديقاتي وقلت لهن لا يجوز أن لا نحضر المحاضرة وإدارة شركتنا هم من نظموها، أحرى بنا نحن الموظفات الذهاب. وأنا أعتبر نفسي امرأة رياضية وأهتم بصحتي أحاول تجنب أي مواد كيميائية مضافة للأغذية، وأكلي مغذي وصحي وينتمي إلى طائفة الفواكه والخضار الطازجة ولا أحفظ الطعام إلا في أواني زجاحية و و …و كل هذه الأمور التي أسمع عنها. وبالفعل حضرنا المحاضرة وأعلنت الطبيبة أن هناك تدريب على الفحص الذاتي وستقوم هي بتعليمنا إياه وستقوم بفحص المشاركات الواحدة تلو الأخرى، وعندما حان دوري دخلت وأنا ابتسم لأني ساتعلم اليوم شيئًا جديدًا، وشعرت أن الطبيبة في أثناء الفحص قد ركّزت كثيرًا وهي تتحسس منطقة الثدي الأيسر عندي، ثم طلبت مني أن استلقي على السرير واستدير في أكثر من جهة، ثم قالت لي بهدوء:” أشعر وكأن هناك كتلة، أريد منك أن تستغلي فرصة وجود تخفيضات على صورة الماموغرام وتذهبي للقيام بها، للتحقق” وبالطبع عشرات العبارات المطمأنة أنه لا داعي للخوف وربما لا يكون شيء. ولم يتغيّر تفكيري ولا ايجابيتي وبعد يومين كنت قد حجزت للقيام بهذه الصورة، وإذا بالطبيب ينظر إلي وكان متساءلًا:” ما الذي دعاك لمثل هذا الفحص؟” فقلت له إن الطبيبة في محاضرة عامة اشتبهت في أمر ما وطلبت مني التحقق، لماذا تسأل؟ فرد عليّ قائلًا:” يوجد كتلة عميقة واستغرب كيف استطاعت أن تشعر بها، من الصعب جدًا ان يتم الإحساس بها من فحص عام يدوي.”

فنظرت اليه وقلت فورًا وبدون تفكير :” الحمد لله رب العالمين، احمدك يا رب واشكرك” فازدادت علامات الاستفهام حول رأس الطبيب وهو ينظر الي ويقول:” ما أروعك، وما أجمل المنظور الذي تحملينه نحو الموضوع، تقولين الحمد لله في وقت ظننت انك ستنهارين.” فقلت له:” الحمد لله الذي ألهَمَ الطبيبة لتخبرني بهذا، لأحضر واكتشف ما عندي، فلم ولن يخطر ببالي في تلك الفترة وحتى لو قالوا ان كل الفحوصات مجانية أن أحضر لأفحص، لا لشيء! ولكن لأنه لا يخطر على بالي أنه من الممكن أن يكون عندي ورم من أي نوع، الحمد لله الذي أتيت اليك الآن وليس بعد سنوات، يا إلهي ماذا لو لم أعرف الآن ؟؟ كم كان سيصبح حجم الورم لو تركته سنوات عدة قادمة، دكتور اعتقد ان هذه منحة ربانية لأن الأمل لا يزال أمامي بأن تكون الأمور في السليم، فقال لي الطبيب سأخبرك عن كل المعلومات المطلوب معرفتها قبل أن نباشر بأي إجراء لتطمأني إلى اتخاذ القرار الصحيح، أولًا يتم دراسة الصور التي تم أخذها عن طريق الماموغرام، ثم فحص الثدي والغدد اللمفاوية بالأمواج فوق الصوتية، كما حدث معك. وبما أنك فوق 40 سنة من العمر نحتاج إلى الخزعة، وتظهر نتيجة الخزعة في غضون 24 ساعة. ويجب أن تشعري بالاطمئنان حيث سيكون هناك رعاية واهتمام صحي وطبي ونفسي طوال هذه المراحل.

وكم شعرت بالراحة وأنا أسمع كلام الطبيب، مما يزيد من الثقة بالإجراء وبالطبيب وبالمركز، وبالفعل قمت بالإجراءات بالتتابع كما أوضح لي الطبيب، وكان الورم صغيرًا والغدد الليمفاوية سليمة، وطالبت بسرعة أن يتم استئصاله في مركز الخالدي الطبي حيث وجدت الفريق الطبي المتعاون كما وعدني الطبيب،  وتشافيت سريعًا ولا أزال أقوم بالفحص مرارًا وتكرارًا للتأكد من عدم وجود شيء.

كم أعاد لي حديثي مع صديقتي ذكريات تلك الفترة، وأردت أن أعبر لها أن الفحص هو الأمل، هو نعمة من نِعَم تطور العلم لنتمكن من استكشاف أية كتلة من الخلايا مهما كان نوعها في مرحلة مبكرة، ولنتمكن من السيطرة على مجريات الأمور قبل تفاقمها، عرفت أن الفحص يمثل وقاية من أية مضاعفات مستقبلية، وكم هو من الضروري تغيير المنظور نحو الفحص المبكر على أنه أمر إيجابي وضروري. وليس للأورام فقط بل يجب أن نعمل على التحقق من كل الفحصوات باستمرار وفي فترات دورية لاكتشاف أي تغيير طارئ لنتمكن من السيطرة على الأحداث بعون الله.

الفحص خير من الشك

هذا واحد من الأمور التي يجب أن نعمل على تعزيزها عند الأفراد في المجتمع بشكل عام وعند النساء بشكل خاص لتطوير مستوًا صحيّ مناسب في المجتمع. فالفحص للتحقق قبل وقوع الحدث وقبل تفاقمه، يمكننا من السيطرة على مجريات الأحداث، فالفحص المبكّر أقل كلفة وأقل ضرر، وأقل هدر للصحة، وهو عملية ابتدائية أساسية وضرورية نقوم بها بشكل دوري للتحقق من السير في الطريق الصحي السليم، ولكم أن تعرفوا ماذا لو لم نعمل بمبدأ الفحص المبكر! وكم ستكون الخسائر فادحة! فبدلًا من العيش في شك وقلق مستمر الأفضل معرفة الحقيقة فلا يمكن أن نمنع وقوع القدر، ولكن يمكن أن نتعامل معه بطريقة إيجابية وخاصة مع تقدم العلم وتقدم الخدمات الطبية المتميّزة في مراكزنا الطبية بشكل عام وفي مستشفى ومركز الخالدي الطبي بشكل خاص.

قبعة دي بونو السوداء في التفكير

عندما وضع الطبيب البريطاني إدوارد دي بونو نظريته في القبعات الست للتفكير، واحدة من هذه القبعات كانت السوداء، ويشير البعض إلى أنها القبعة التشاؤمية، ولكن الحقيقة هي قبعة التفكير الناقد، وهي  تدل على الرغم من أنها القبعة السوداء على أن التفكير في المشكلة له جوانب إيجابية، لأنه يُحدِّد المخاطر التي يمكن أن تحدث عند الأخذ بأي اقتراح، أو إجراء، لأن التفكير باستعمال هذه القبعة يستند إلى المنطق وتوضيح الأسباب التي قد تؤدي لعدم النجاح. ويرتكز على ” ماذا لو؟” وهنا لا بد من استخدامها بحكمة في موضوعنا:” ماذا لو لم تفحصي الآن؟ ماذا لو لم يتم الاكتشاف مبكرًا؟ ماذا لو كان هناك بالفعل ورم؟” نعم يجب ان نأخذ البعد الإيجابي للتفكير في الموضوع. وتوضيح المخاطر التي قد تترتب على ماذا لو؟.

الحاجة إلى التشجيع والتعاطف

نحن بشر ونفسُ الإنسان متخوفة، والقلق والتوتر يصاحبان الخوف مع التردد، وعبارة:” لا أنا بخاف افحص يطلع عندي إشي!” اعتقد أنها عبارة طبيعية تعبّر بتلقائية عما يدور في ذهن الفرد، لذا تحتاج المرأة أكثر من غيرها إلى مساندة وشعور بالأمان والاطمئنان لتُقدم على هذه الخطوة، تحتاج أن تشعر بالدعم المعنويّ والعاطفيّ والتشجيع سواء من العائلة أم الممرضة الفاحصة أو الطبيبة، ومن كل فرد تتعامل معه، تحتاج إلى التعاطف وبث روح القوة والجرأة وفي كثير من الأحيان تخاف أن تُترَك وحدها في غرفة الفحص، بل تطلب وجود الممرضة أو الطبيبة، وإعلامها فورًا بالنتيجة، فلا تقلقي سيدتي كلنا معك وبخدمتك وتهمنا صحتك لأنك أنت نصف المجتمع وتلدين وتربين النصف الآخر، أنت رأس المال لهذا يجب أن نطمأن على سلامتك، كل هذه الأمور يجب أخذها بعين الاعتبار لمعرفة لماذا تخاف المرأة من الفحص، مما يستدعي تدريب طاقم الفحص والمختص بهذا الموضوع لرفع معنويات المريضة وإعطائها شعور بالأمان والتميّز وكأنها الوحيدة بين ايديهم، حتى لو يعتقد البعض أنها مجرد مريضة من بين آلاف المرضى الذين يمرون على القسم.

لست وحدك

أنت أبنة، وأخت، وربما زوجة، وأم، وبالطبع خالة وعمة وجدة… أنت ركيزة من ركائز الأسرة، أنت واسط البيت وعموده الفقري، ليس لأجلك فقط يجب أن يتم الفحص بل لأجل كل من يسندون عليك ويحبونك ويريدونك في حياتهم، لأنك مهمة ولأن صحتك أساس قدرتك على القيام بمهامك، لأن وجودك شمعة أمل تنير الطريق لعائلتك يجب أن تفحصي.

المواجهة

صديقتي ثقي تمامًا بأن الخوف ليس حلًا للمشكلة، والتوتر والقلق والسلبية لن تغيّر من واقع وقَدّرٍ محتوم، والفعل الصحيح هو الفحص والاعتماد على الحقائق، لأن الهدف الذي نلجأ للفحص لأجله هو التحقق من عدم وجود ورم، ولو تم اكتشافه سيكون من السهل التعامل معه في مراحله الأولى، ومواجهته، وهذا أفضل ألف مرة بل وألف ألف مرة من تطوره وتركه بتغافل وتجاهل خوفًا من مواجهة الحقيقة.. بهذه الكلمات أنهيت حديثي مع صديقتي والتي أمسكت بيدي ودخلت غرفة الفحص وهي تقول:” أقنعتيني”

2017-07-11T14:05:27+03:00 مارس 16th, 2017|

اضف تعليقا