المرأة العربية وعائلة “الطفل الوحيد”!

الرئيسية/مركز الخالدي لصحة المرأة وتشخيص أمراض الثدي/المرأة العربية وعائلة “الطفل الوحيد”!

؟”ما بدك “تخاويه

قد تكون هذه عبارة مألوفة تتردد على أسماع الأمهات والآباء في كل محفل عائلي، أو حتى في لقاء عابر مع قريب بعيد أو غريب فضولي. بالنسبة إلى البعض، قد لا يتعدى الأمر مجرد موضوع حوار قد يفضي إلى حديث مطول عن الأطفال والتربية أو يكشف عن نية بإضافة فرد جديد إلى العائلة، لكن بالنسبة إلى البعض الآخر، قد يمثل ذلك تدخلًا سافرًا في شأن عائلي خاص وحساس.

خيار أم اضطرار؟

في رأي هيا، الأم الثلاثينية لطفل وحيد يبلغ من العمر سبع سنوات، من الصعب أن تقرر عائلة الاكتفاء بطفل واحد، ففي حالتها هي وزوجها كان الأمر واقعًا مفروضًا عليهما، لا قرارًا اتخذاه بشكل واعٍ ومدروس، وتدعم رأيها بقولها إن معظم الأزواج الذين تعرفهم والذين بدؤوا حياتهم بقرار إنجاب طفل واحد فقط انتهى بهم المطاف إلى إنجاب أخ أو أخت له لاحقًا.

من منظور آخر، تقول عبير* إن اكتفاءها بابنها زيد* الذي يبلغ من العمر الآن ثماني سنوات يعود إلى أسباب عدة، أهمها المشاكل الزوجية والعلاقة المتوترة بينها وبين زوجها، والتي كانت السبب الرئيسي لعدم تفكيرها في الإنجاب مجددًا خلال السنوات السبع الماضية. من جهة أخرى، تقول إن وضعها كأمّ عاملة وحاجة عائلتها إلى هذا العمل كانت عاملًا مهمًا آخر في ذلك القرار، حيث تجد أنه من الصعب التوفيق بين العمل والأمومة، خاصة عند أخذ الحاجات النفسية للأمّ والطفل بعين الاعتبار. ولا تخفي أن تجربة الحمل والولادة المتعسرة وما تبعها من اكتئاب ما بعد الولادة كان له دور في تخوفها من الإنجاب مجددًا، وتقول معلقة على ذلك: “يقولون إنها ساعة منسية، لكنها ليست كذلك. الحقيقة هي أن المرأة تهرب إلى الأمان، تظن أن إنجاب أطفال آخرين سيصلح علاقتها الزوجية، لكنّ ذلك ليس واقع الحال.”

تحديات تربوية

تتذكر آلاء، 32 عامًا، والتي نشأت طفلة وحيدة لأبوين أنجباها في مرحلة متأخرة من العمر، إن السنوات التسع الأولى من حياتها كانت أفضل سنوات طفولتها، إذ كانت محور دلال واهتمام أبويها، لكن من جهة أخرى كان عليها الارتقاء إلى توقعات عالية، فكونها الابنة الوحيدة كان يعني أن عليها أن تكون متفوقة دراسيًا ومتعددة المواهب ومصدر فخر مستمر لوالديها. بمعنى آخر، كان عليها أن تكون كافية.

أمّا هيا، فلا ترى أن نشوء الطفل من دون إخوة وأخوات يشكّل خطورة على شخصيته، إلا من ناحية واحدة يصعب تفاديها، وهي الدلال الزائد، سواءً من الأبوين نفسيهما أم من الأقارب المحيطين، خاصة مع وجود تعاطف تلقائي زائد معه لكونه طفلًا وحيدًا. لكن من ناحية أخرى، تشير إلى أنه في هذه الحالة يكون مستوى الأنانية لدى الطفل في سنواته الأولى أعلى من بقية الأطفال لغياب من يشاركه غرفته وأغراضه وحياته بشكل يومي، مما يتطلب جهدًا إضافيًا من الأبوين لوضعه في بيئة تتطلب المشاركة، سواءً بإيجاد أطفال آخرين من الأقارب أو الأصدقاء يشاركونه اللعب أو بزرع قيم المشاركة فيه من خلال القصص وغيرها، وتؤكد من خلال تجربتها إن طفلها أصبح يميل إلى المشاركة أكثر من غيره من الأطفال، نظرًا إلى الجهد الذي بذلته معه من جهة، وبسبب رغبته في كسب الأصدقاء من جهة أخرى.

” لكل شيء حل. لا يوجد شيء حتمي، وهذه المشاكل قد تنشأ لدى أطفال بوجود الإخوة والأخوات. الأمر في النهاية يعتمد على الأبوين واستعداهما لبذل جهد مع الطفل.” تضيف هيا معقبة، ثم تضرب مثالًا على ذلك بقولها إنها وزوجها يحملان نفسيهما على تكوين صداقات مع عائلات لا يتفقون معها أو لا يستمتعون بصحبتها في سبيل أن يحظى ابنهما بأصدقاء أكثر. “إنها علاقة مصلحة، لكنها ليست مصلحة صريحة”، تقول تعقيبًا على ذلك.

شعور بالذنب

لا تتردد هيا في الاعتراف بشعورها الشديد والمستمر بتأنيب الضمير، رغم محاولاتها المتواصلة لتذكير نفسها بأن الأمر خارج عن إرادتها، الأمر الذي نتج عنه محاولات منها ومن زوجها لإنجاب طفل آخر بشتى الوسائل، إلّا أن الآراء الطبية كانت تشير إلى أن محاولاتهما شبه مستحيلة، ومضيعة للوقت والصحة والمال. “ذلك الشعور بالذنب يجعلني أقع أحيانًا في خطأ الإفراط في تدليله، لكنني أعود وأضبط نفسي في الوقت المناسب”، تقول هيا، وتشير إلى أن ذلك الشعور يتزايد مع تقدم الطفل في العمر، حيث يبدأ يدرك حقيقة وضعه ويسأل باستمرار عن سبب كونه وحيدًا ويطالب أبويه بإنجاب أخ أو أخت له. في هذا السياق تذكر حادثة طريفة ومؤثرة في  نفس الوقت، حين كانت مع طفلها بجوار الكعبة لتأدية العمرة وقالت له أن يدعو الله بما يحب، فوضع كفيه على وجهه وراح يدعو الله بلهفة أن يبعث له إخوة آخرين.

أمّا عبير، فحين سُألت عن الشعور بالذنب فقد كانت إجابتها مختصرة وصادمة أكثر حيث قالت: “أنا أشعر بالذنب لأنني أنجبته”.

وعاظ وفضوليون

تتحدث هيا بإسهاب عن الأشخاص الذين ينطلقون في خطابات وعظية لها بمجرد معرفة أنها أمّ لطفل وحيد. “أي شخص تلتقين به في الشارع يمكن أن يتدخل في حياتك إن عرف أن لديك طفلًا واحدًا فقط. لا أعرف كيف يعطون لأنفسهم الحق بالتدخل من دون معرفة ظروفنا ومن دون التفكير في أنهم يجرحون الشخص الذي أمامهم.”

وتصنّف هؤلاء المتدخلين إلى فئتين: فئة تفترض أن الزوجين قادران على الإنجاب ويحجمان عنه اختيارًا، مما يجعلهم يتخذون موقف الواعظين الأخلاقيين، وفئة أخرى يكون تدخلهم أقرب إلى الفضول، حيث يطرحون الأسئلة ويلتفون حول الموضوع حتى يصلوا إلى معرفة السبب في اكتفاء الأبوين بطفل واحد، وعند سماعهم بوجود مشكلة في الإنجاب لدى الزوجين لا يتوانون في مشاركتهما وصفات وطرق للعلاج من الواضح أنهم سمعوا عنها من الجيران أو قرؤوها على الإنترنت، ناسين أو متناسين أن هذين الزوجين على الأرجح قد طرقا جميع الأبواب وجربا شتى الوسائل مسبقًا.

لكنّ أكثر ما يثير انزعاجها هو أنّ بعض هؤلاء الناس يضعونها في موقف مربك مع ابنها حين يقولون له: “هيا يا حبيبي، ارفع يديك وقل يا رب أعطني أخًا أو أختًا”.

من جهة أخرى، تبدي عبير امتعاضها من عادة نسوة العائلة لمس بطنها والسؤال: “مش محوشتيلنا إشي؟”، لكنها تكتفي برد مقتضب تنهي به الحديث قبل بدئه.

محاولات للتعويض

فيما تستبعد عبير فكرة إنجاب أخ أو أخت لابنها، تطرح فكرة غير مألوفة – في مجتمعنا على الأقل- لتعويضه عن ذلك، إذ تقول إنه إن كان ولا بد من أخ أو أخت له فهي مستعدة للتبني، لا كترف اجتماعي بل كواجب أخلاقي لتوفير الرعاية والحب لآلاف الأطفال المحرومين منهما.

أمّا هيا فترى أنه يمكن تعويض الطفل عن غياب الإخوة والأخوات من خلال توفير الأصدقاء الصالحين وتوفير الظروف الملائمة لتوثيق علاقته بهم، لكن تبقى الوسيلة الأهم هي أن يكون والدا الطفل هما أقرب صديقين له.

وعن تجربتها الشخصية تقول آلاء إن كونها طفلة وحيدة جعلها اجتماعية إلى حد كبير، حتى أن من حولها يصفونها بأنها “يمكن أن تتحدث إلى الجدران”، مما قد يكون محاولات شخصية للتعويض، قد تختلف من شخص إلى آخر بحسب التربية والقابلية الفطرية.

الجانب المشرق

لا شك في أن العائلة الصغيرة تحمل ميزات للطفل والأبوين على حد سواء، فبينما تتطلب جهدًا أكبر من بعض النواحي التربوية كما أشرنا آنفًا، إلا أنها تعطي الأبوين فرصة ليمنحا طفلهما مساحة أكبر من وقتهما، وإيلائه الرعاية التي يستحقها، والحفاظ على مستوى ثابت ومستمر من الاهتمام، وهو أمر مهم جدًا للتطور الإيجابي للطفل عاطفيًا وفكريًا. من جهة أخرى فإن ذلك يعطي الزوجين مساحة أكبر من الوقت والطاقة للتركيز على بناء علاقة صحية فيما بينهما.

وتعتبر آلاء أن مزايا النشوء كطفل وحيد تتركز في مرحلة الطفولة، حيث يستأثر الطفل باهتمام والديه وتكون طلباته مجابة وكل رغباته أوامر، أما على المدى البعيد فإن تأثير ذلك على شخصية المرء يكون سلاحًا ذا حدين، وتطرح نفسها كمثال على ذلك إذ تقول إنها أصبحت ذات شخصية قوية تعتمد على نفسها في كل شيء وتتخذ قراراتها بشكل منفرد، ورغم أنها متزوجة وأمّ لطفلين إلا أنها تقول إن مشاركة حياتها مع شخص آخر لم تكن بالأمر السهل.

أمّا هيا فتعيد وتؤكد أن الأمر يعتمد على الأبوين، فإن كانا على استعداد للقيام بالدور المطلوب منهما وإيلاء طفلهما الاهتمام المطلوب فإن ذلك يشكل فرصة ذهبية لتنشئة فرد صالح ومتميز في المجتمع، وتختصر ذلك بعبارة تلخص الأمر إذ تقول: “يصبح بإمكانك التركيز على ابنك وكأنه مشروعك الوحيد”.

منطقة رمادية

في النهاية، تبقى الأمومة والأبوة مسألة أكثر تعقيدًا من حصرها فيما قد يُعتبر صوابًا وما قد يُعتبر خطأ، إذ لا توجد إجابات مثالية ولا وضع مناسب للجميع، ويبقى الخيار للأبوين فيما يتعلق بعدد الأطفال الذي يرغبان في إنجابه وفقَا لقدراتهما وظروفهما الخاصة. وإن كانت علاقة الطفل بإخوته من أهم العلاقات التي تشكّل شخصيته وتكوّن أسلوبه في التعاطي مع الآخرين لاحقًا في الحياة، فإن الأساس يظلّ هو علاقته بوالديه، والتي تبقى العلاقة الأولى والأهم في حياته.

2017-07-11T14:05:08+03:00 مارس 27th, 2017|

اضف تعليقا