إلا عيون أمي

أمي من نساء البلد العصاميات اللواتي قضين حياتهن في دعم العائلة وتربية الأولاد والاهتمام بكل صغيرة وكبيرة تهمنا إخوتي وأنا، وكانت تستفيد من مهارتها في التطريز لتغطي الكثير من مصاريفنا وطلباتنا الجامعية، لتفرحنا وتجعلنا لا نشعر بأي ضيق من صعوبة الحياة، وكنت أفرح كلما رأيتها تنجزُ ثوبًا وتتفاخر به وتقول للمرأة ملبوس العافية، والمرأة تنقدها المال أجر عملها وتأخذه وهي فرحة وتقول الحمد لله دومًا وأبدا.

وفي إحدى امسيات الشتاء ونحن نجتمع حول المدفأة وهي تطرز، اشاحت بصرها عن الثوب الذي في يدها، وفركت عينيها، بتعب، فقلت لها:” يمة بكفي تطريز الليلة ارتاحي وريحي عينيك شوي.”

ومرت بضعة ايام ولكن كنت ألاحظ أنها تتعب من العمل الدقيق، وتقول لي:” مش عارفة ليش حاسة عيني مزغللة” وهذا مصطلح يعني أنها تشعر بهالات من الضوء، عندما تنظر، وكأن هناك اضطراب في الرؤيا.

وبسبب انشغالي طلبت من أختي مساعدتها، وكانت تضع لها كمادات ماء بارد، او كمادات من الشاي المغلي البارد، وهذه وصفات شائعة وشعبية، وكنت اطمأن عليها باستمرار ولكن تقدم الوضع بأن أصبحت هناك احمرار في العين مع استمرار الزغللة، فأحضرنا لها قطرة حساسية، وقال الصيدلاني أن عليها أن تريح عينيها قليلًا. وبالفعل طلبنا منها أن تتوقف عن التطريز.

وتأخذنا دوامة الحياة، لأذهب في أحد الأيام لزيارة صديقتي العزيزة حيث اجرى والدها عملية في عينيه، في مركز الخالدي الطبي، وحملت معي علبة الحلوى لأهنئه بالسلامة، وسألته ما العملية التي قمت بها يا عمو؟ ظننت أنها عملية ليزك لأنه يعاني من قصر النظر. ولكن تفاجأت عندما قال:” والله يا ابنيتي عملت عملية مياه زرقاء للعين”!! استغربت من اسم العملية، فأثار فضولي وأردت أن أعرف أكثر عن هذه العملية، وصديقتي تضحك وتقول لأبيها: ” بابا إذا ما حكيت لها التفاصيل رح تروح تعمل بحث وما تنام!” وأخبرني العم أنه ذهب لعمل فحص عند طبيب العيون بسبب حالات الصداع التي كان يعاني منها، وأول ما يخطر على البال هو فحص النظر، وطلب منه أن يعمل فحص ضغط العين، بعد أن قال له عما يشعر وخاصة لأنه مريض سكري من الأصل، ورجل كبير في السن، وقد بدأ معه اعراض ارتفاع ضغط الدم، وبالفعل ذهب لعمل الفحص ليتبيّن أن ضغط العين عنده قد قارب 27 مليمتر زئبق ويتسبب بصداع شديد له..

سمعت ما قال وأنا أفغر فاه لهذه المعلومات الجديدة، ضغط العين؟ وهو أمر مختلف عن ضغط الدم، يعني ضغط الدم لا علاقة له بضغط العين ومنفصل عنه،  وتابعت حديثي:” أيوة؟ وكم يبلغ الضغط الطبيعي للعين إذا كان ضغط 27 مليمتر زئبق مرتفع؟”

فرد علي:” يا ابنتي قال لي الطبيب أن ضغط العين الطبيعي يتراوح بين 12 إلى 22 مليمتر زئبق. ولكن ضغط 27  مليمتر زئبق رقم عالي، ويشكل خطر على العين، وخاصة لا تنسي أني أعاني من السكري وأتناول دواء يومي، وعندي قصر نظر.”

فقلت له وأنا أرتشف فنجان القهوة العربية: ” ألف الحمد لله على سلامتك يا عمي، والحقيقة أثرت فضولي بهذه المعلومات، يعني انت كان عندك ضغط عين؟ ولكن لماذا قلت عملية ماء زرقاء؟

فردّت ابنته قائلة: “لن تصدقي كم أجريت من البحث! وكم سؤال سألت الطبيب قبل أن يدخل أبي للعملية، وسأخبرك بعض المعلومات الضروري معرفتها.”

سبب التسمية

اسم المرض هو الجلوكوما، ويقال له بالعربي المياه الزرقاء (مرض الزرق) باسم شائع وذلك بسبب وجود هالات زرقاء حول مصدر الضوء ، ولا علاقة له بالخطأ الشائع كما يخطر على بال البعض أن لون المياه زرقاء. وتعنى كلمة جلوكوما كما ذكرت المصادر باللغة اليونانية القديمة الجسم الأزرق، أو الهالات الزرقاء الرمادية. ويبدأ من ارتفاع ضغط العين، الذي يسبب تلف في أنسجة العصب البصري. وتعدُّ الجلوكوما السبب الثاني في العمى في العالم وخاصة عند كبار السن فوق سن الأربعين، وتسمي في بعض الاحيان باللص الصامت للبصر لأن فقدان البصر يتم تدريجيًا عبر الزمن دون الشعور بالألم، لذا يعاني العديد من هذا المرض دون أن يدركوا ذلك، ولأن القليل يذهب لفحص العصب البصري باستخدام منظار فحص العين، أو فحص ضغط العين، فلا يتم اكتشاف المرض مبكرًا، ومن هنا جاء الأسبوع العالمي للجلوكوما لتوعية الناس لخطورة هذه الإصابة ولأهمية اكتشافها في مراحل مبكرة لعلاجها قبل أن يتم فقدان البصر الكلي لا سمح الله.

أسباب الجلوكوما

يوجد سائل يدعى ” السائل المائي ” يفرز داخل العين ويتم تصريفه خارجها، وهو ما يعطي العين شكلها، ويؤدي عدم التوازن في إفراز هذا السائل وتصريفه إلى رفع ضغط العين، فيتجمع هذا السائل داخل العين ويبدأ بالضغط على أنسجة العين الداخلية بما فيها العصب البصري الذي ينقل الصور التي تلتقطها العين إلى المخ.

وقد وجد أن نظام التصريف المائي بالعين يصبح أقل فعالية مع التقدم في العمر، لذا يصيب كبار السن بشكل واضح، وهناك أسباب عديدة تودي إلى قلة تصريف العين للسوائل، منها انسداد أو ضيق الفتحات الخاصة بالتصريف أو وجود التهابات داخل العين تودي إلى ضيق القنوات ، كما أن إصابات العين قد تؤدي إلى تلف في أنسجة القنوات، ويؤدي تلف العصب البصري إلى تراجع الرؤية بصورة بطيئة. ولأن التلف الذي تحدثه الجلوكوما في العصب البصري لا يمكن إصلاحه، فإن هذا يجعل من تشخيص الحالة مبكرًا أمرًا هامًا . حيث يلاحظ المريض في مرحلة متقدمة بقع عمياء في الإبصار تسبب في فقد بعض الرؤية، أو ظهور هالات زرقاء حول مصدر الضوء حسب نوع الجلوكوما.

الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بمرض الجلوكوما

وقد أخبرني الطبيب أن فرصة الإصابة بالجلوكوما تزداد إن كان الشخص عنده ضغط في العين، وكان فوق الأربعين من العمر، ويعاني من مرض السكري، ومن قصر النظر، ولديه تاريخ طبي في العائلة بالإصابة بالمرض، أو يعاني من ضغط الدم، أو إن كان لديه إصابات سابقة بالعين، والغريب أن فرصة الإصابة تزداد إن كان الشخص من أصحاب البشرة السمراء.

لذا إن تجمعت لدى الشخص المصاب بضغط العين أي من الدلالات السابقة لا بد وأن يسرع في فحص العين بالمنظار، وفحص العصب البصري، وضغط العين.

علاج الجلوكوما

نحن نعلم أن الخلايا العصبية لا تعوّض فهي لا تحتوي على أنوية ولا تنقسم، لذا إن وصلت الإصابة إلى مرحلة تلف العصب البصري، فلا يمكن علاجه وإرجاع ما تلف، ولكن هناك تدخّل علاجي باستعمال الأدوية والقطرات، والعلاج بالليزر، أو التدخّل الجراحي لتحسين تصريف السائل في العين ليعود ضغط العين إلى وضعه الطبيعي مما يؤدي إلى وقف التلف والمحافظة على ما تبقى من القدرة على الرؤيا. ومن الضروري القيام بهذه الفحوصات قبل حدوث فقد كلي للبصر.

وتنهدت وهي تقول:آه، الحمد لله أن ذهبنا لإجراء الفحوصات بالوقت المناسب، لنحافظ على بصر أبي.

لقد سمعت الكثير من المعلومات التي كنت أجهلها عن هذا المرض الذي يصيب أغلى حواسنا وهي الإبصار، وفورًا خطر على بالي سؤال للعم، وما الذي دفعك في بادئ الأمر للذهاب إلى الطبيب وإجراء فحص ضغط العين؟ كيف قررت أنه يجب أن تذهب؟ هل شعرت بأعراض؟

فقال لي: أخبرني الطبيب أن هذا المرض لا أعراض له بشكل عام، ولكن كنت أشكو من زغللة بالعين وكأنني أرى هالات من الضوء، عندما أنظر، وكنت أعاني من اضطراب في الرؤيا، مع شعور بألم في العين، واحمرار شديد.” وقال انه لم يسكت عن هذه الأعراض وخاصة لأنه يعاني من السكري، فخاف على بصره وذهب إلى الطبيب.

ولا أدري ما الذي أصابني لحظتها فقفزت واقفة مفزوعة لقد تذكرت ما كانت تعاني منه أمي قبل أسابيع! يا إلهي كله بيهون إلا عيون أمي، ونظر أمي، فهي نظري وعيوني. لن أترك الأمر وأتغافل فقد تكون تشعر من التعب من التركيز بالعمل الدقيق، ولكن يجب إجراء الفحص ربما تكون بداية معاناتها من الجلوكوما.

إلا عيون أمي إلا عيون أبي! وكما قيل لأجل عين تكرم مرج عيون! نصيحتي لكل من يقرأ مقالتي هذه أن يعرض أمه وأبيه وخاصة إن كان عند أي منهما المواصفات السابقة، ولحماية عيونهما من الخطر يجب أخذهما لإجراء فحص دقيق للعين للاطمئنان عن سلامة بصرهما، وخاصة أن هناك أسبوعًا عالميًا للجلوكوما من 12 إلى 18 آذار، ولنتذكّر أن الوقاية خير من العلاج، وفي موضوع فقدان البصر لا سمح الله لا مجال للعلاج فتأتي الوقاية بالفحص البسيط لتقطع قول كل خطيب.

2017-07-11T14:05:46+03:00 مارس 12th, 2017|

اضف تعليقا